فخر الدين الرازي

170

المطالب العالية من العلم الإلهي

فنقول : هذه الصفة إما أن تكون سلبية أو ثبوتية . والأول باطل ، لأن الشيء إما أن يكون ممتنع الثبوت ، أو ممكن الثبوت بالإمكان العام . والامتناع عدم محض . إذ لو كان صفة ثبوتية ، لكان الموصوف بتلك الصفة أولى بأن يكون ثابتا ، فيلزم أن يكون ممتنع الثبوت لذاته ، واجب [ الثبوت ] « 1 » لذاته ، وهو محال ، وإذا ثبت أنه لا واسطة بين الامتناع ، وبين الإمكان العام ، وثبت أن الامتناع [ ليس « 2 » ] صفة ثبوتية ، وجب أن يكون الإمكان العام صفة ثابتة . ضرورة أنه لا بد وأن يكون أحد النقيضين : أمرا ثابتا . فيثبت : أن الإمكان أمر عائد إلى الممكن ، مغاير لكون القادر متمكنا من إيجاده ، وثبت : أنه صفة ثبوتية ، وثبت : أنه سابق على وجود المحدث . فتلك الصفة لا بد لها من محل موجود ، وذلك المحل الموجود هو هيولى ذلك المحدث ومادته . فإنه لا معنى للهيولي إلا الذي حصل فيه إمكان حدوث تلك الصورة . فيثبت : أن كل محدث فإنه مسبوق بهيولى ، ومادة . فنقول : تلك الهيولى والمادة إما أن يكون متحيزا وإما أن لا يكون كذلك . فإن كان متحيزا فهو الجسم ، فهيولى الجسم جسم ، والهيولى قديمة . فالجسم قديم . وإن لم يكن متحيزا ، فنقول : هذا باطل من وجهين : الأول : إنه يلزم أن يكون البعد والامتداد حالا في محل ، لا حصول له في الحيز والجهة أصلا . وذلك محال . والثاني : إن هذه الهيولي لو صح القول به ، فإن الفلاسفة أقاموا الدليل على أنه يمتنع خلوها عن الجسمية . وحينئذ لزم من قدم الهيولى ، قدم الجسم . فهذا تمام القول في تقرير هذه الشبهة . واعلم أن الكلام على هذه الحجة : أن يقال : لا نسلم أن الإمكان صفة موجودة . ويدل عليه وجوه :

--> ( 1 ) من ( ط ، س ) ( 2 ) من ( ت )